فضل اللغة العربية عليك

مَقَالَاتٌ لُغَوِيَّةٌ مِنْ مَنْصَّةِ الْوَلَاءِ

اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ... أَكْثَرُ مِنْ لُغَةٍ

كَيْفَ تُسَاهِمُ اللُّغَةُ فِي تَطَوُّرِ عَقْلِ الْإِنْسَانِ وَوَجْدَانِهِ وَمَهَارَاتِهِ فِي مُخْتَلَفِ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ؟

دُكْتُورَةُ وَلَاءَ نَصَّارِي
دُكْتُورَةُ وَلَاءَ نَصَّارِي

لِمَاذَا نَتَحَدَّثُ عَنِ اللُّغَةِ بِهَذَا الْعُمْقِ؟

عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنِ اللُّغَةِ، فَنَحْنُ لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ مَادَّةٍ دِرَاسِيَّةٍ تُحْفَظُ قَوَاعِدُهَا وَتُجَابُ أَسْئِلَتُهَا فَقَطْ، بَلْ نَتَحَدَّثُ عَنْ أَدَاةٍ يَسْتَخْدِمُهَا الْإِنْسَانُ لِيَفْهَمَ وَيُفَكِّرَ وَيُعَبِّرَ وَيَتَعَلَّمَ وَيَتَوَاصَلَ مَعَ الْآخَرِينَ.

وَكُلَّمَا نَمَتْ قُدْرَةُ الطَّالِبِ عَلَى فَهْمِ اللُّغَةِ وَاسْتِخْدَامِهَا، اتَّسَعَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّعَلُّمِ وَالتَّفْكِيرِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ ذَاتِهِ وَالتَّفَاعُلِ مَعَ مَا يَحِيطُ بِهِ.

١ اللُّغَةُ وَالتَّطَوُّرُ الْمَعْرِفِيُّ

اللُّغَةُ هِيَ أَحَدُ أَهَمِّ أَدَوَاتِ التَّفْكِيرِ وَبِنَاءِ الْمَعْرِفَةِ. فَبِهَا يَفْهَمُ الطَّالِبُ الْمَعْلُومَاتِ، وَيَرْبِطُ بَيْنَ الْأَفْكَارِ، وَيَصِفُ الْمَشْكِلَاتِ، وَيَطْرَحُ الْأَسْئِلَةَ، وَيَبْنِي الْإِجَابَاتِ.

وَمَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ لِلطَّالِبِ؟

كُلَّمَا كَانَ قَادِرًا عَلَى قِرَاءَةِ السُّؤَالِ وَفَهْمِهِ وَتَحْلِيلِ مَعْنَاهُ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى فَهْمِ الْمَطْلُوبِ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ وَالْعُلُومِ وَالدِّرَاسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَغَيْرِهَا.

٢ اللُّغَةُ وَالتَّطَوُّرُ الْوِجْدَانِيُّ

لَا يَتَعَلَّمُ الْإِنْسَانُ بِعَقْلِهِ وَحْدَهُ، فَالْمَشَاعِرُ وَالْقِيَمُ وَالْاتِّجَاهَاتُ جُزْءٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ تَكْوِينِهِ. وَاللُّغَةُ هِيَ الْوَسِيلَةُ الَّتِي نُسَمِّي بِهَا مَشَاعِرَنَا، وَنَفْهَمُ بِهَا مَشَاعِرَ الْآخَرِينَ، وَنُعَبِّرُ بِهَا عَنِ الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ وَالْأَمَلِ وَالْخَوْفِ وَالِامْتِنَانِ.

اللُّغَةُ تَبْنِي الْإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ تَبْنِيَ الْإِجَابَةَ

عِنْدَمَا يَتَعَلَّمُ الطَّالِبُ كَيْفَ يَصِفُ مَشَاعِرَهُ وَيُحَاوِرُ غَيْرَهُ وَيُقَدِّمُ رَأْيَهُ بِاحْتِرَامٍ، فَهُوَ يَتَعَلَّمُ مَهَارَاتٍ إِنْسَانِيَّةً تَتَجَاوَزُ حُدُودَ حِصَّةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.

٣ اللُّغَةُ وَالتَّطَوُّرُ الْمَهَارِيُّ

الْمَعْرِفَةُ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي. الْمُهِمُّ أَنْ يَسْتَطِيعَ الطَّالِبُ اسْتِخْدَامَهَا فِي مَوْقِفٍ حَقِيقِيٍّ. وَهُنَا تَأْتِي اللُّغَةُ كَأَدَاةٍ لِلتَّطْبِيقِ وَالْإِنْتَاجِ وَالتَّوَاصُلِ.

الْبَحْثُ: قِرَاءَةُ الْمَصَادِرِ وَاسْتِخْرَاجُ الْمَعْلُومَاتِ وَتَلْخِيصُهَا.
الْعَرْضُ: تَرْتِيبُ الْأَفْكَارِ وَعَرْضُهَا شَفَهِيًّا وَكِتَابِيًّا.
الْحِوَارُ: الِاسْتِمَاعُ وَالْمُنَاقَشَةُ وَالدِّفَاعُ عَنِ الْفِكْرَةِ بِأَدِلَّةٍ وَاضِحَةٍ.
الْإِبْدَاعُ: إِنْتَاجُ النُّصُوصِ وَالْأَفْكَارِ وَالْمَشْرُوعَاتِ وَتَقْدِيمُهَا بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
اللُّغَةُ تَفْتَحُ أَبْوَابَ الْمَعْرِفَةِ

لِذَلِكَ لَا تَنْفَصِلُ اللُّغَةُ عَنْ أَيِّ مَجَالٍ

فِي الْعُلُومِ: فَهْمُ الْمُصْطَلَحَاتِ وَقِرَاءَةُ التَّفْسِيرَاتِ وَتَحْلِيلُ الْمَعْلُومَاتِ.
فِي الرِّيَاضِيَّاتِ: فَهْمُ الْمَسْأَلَةِ وَتَحْدِيدُ الْمَطْلُوبِ وَقِرَاءَةُ التَّعْلِيمَاتِ بِدِقَّةٍ.
فِي التَّارِيخِ وَالْجُغْرَافْيَا: فَهْمُ النُّصُوصِ وَتَحْلِيلُ الْأَحْدَاثِ وَالرَّبْطُ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَالنَّتَائِجِ.
فِي التِّقْنِيَةِ وَالذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ: كُلَّمَا كَانَ الْإِنْسَانُ أَقْدَرَ عَلَى صِيَاغَةِ سُؤَالِهِ وَوَصْفِ مَا يُرِيدُهُ، زَادَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّفَاعُلِ مَعَ الْأَدَوَاتِ الرَّقْمِيَّةِ.
فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ: التَّوَاصُلُ وَاتِّخَاذُ الْقَرَارِ وَإِدَارَةُ الْحِوَارِ وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الِاحْتِيَاجَاتِ وَالْأَفْكَارِ.
فِكْرَةٌ تَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ

هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَطَوَّرَ التَّفْكِيرُ دُونَ تَطَوُّرِ اللُّغَةِ؟

كُلَّمَا ازْدَادَ رَصِيدُ الطَّالِبِ اللُّغَوِيُّ، أَصْبَحَ أَقْدَرَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَفْكَارِ، وَتَحْدِيدِ الْفُرُوقِ، وَتَفْسِيرِ الْعَلَاقَاتِ، وَبِنَاءِ الْحُجَجِ، وَالتَّعْبِيرِ عَنْ مَوْقِفِهِ بِوُضُوحٍ.

لِذَلِكَ فَتَنْشِئَةُ طَالِبٍ قَوِيٍّ فِي اللُّغَةِ لَيْسَتْ هَدَفًا لُغَوِيًّا فَقَطْ، بَلْ خُطْوَةٌ لِبِنَاءِ مُتَعَلِّمٍ أَقْدَرَ عَلَى الْفَهْمِ وَالْتَّحْلِيلِ وَالْإِبْدَاعِ وَالتَّوَاصُلِ.
مَنْصَّةُ الْوَلَاءِ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ

لِأَنَّنَا نَرَى اللُّغَةَ أَسَاسًا لِلتَّعَلُّمِ

نَحْرِصُ فِي مَنْصَّةِ الْوَلَاءِ عَلَى أَنْ يَتَجَاوَزَ تَعَلُّمُ اللُّغَةِ حِفْظَ الْقَاعِدَةِ وَالْإِجَابَةَ عَنِ السُّؤَالِ، لِيَصِلَ الطَّالِبُ إِلَى الْفَهْمِ وَالتَّطْبِيقِ وَالتَّحْلِيلِ وَالْإِنْتَاجِ.

فَهْمٌ لَا حِفْظٌ مُجَرَّدٌ.
تَطْبِيقٌ لَا مَعْرِفَةٌ نَظَرِيَّةٌ فَقَطْ.
تَفْكِيرٌ يُسَاعِدُ الطَّالِبَ عَلَى التَّحْلِيلِ وَالِاسْتِنْتَاجِ.
إِبْدَاعٌ يَحْوِّلُ مَا تَعَلَّمَهُ الطَّالِبُ إِلَى إِنْتَاجٍ وَمَهَارَةٍ.
۞

سُؤَالٌ لَكَ

إِذَا كَانَتِ اللُّغَةُ هِيَ أَدَاةَ الْفَهْمِ وَالتَّفْكِيرِ وَالتَّوَاصُلِ، فَهَلْ نَحْتَاجُ إِلَى تَقْوِيَتِهَا فِي مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، أَمْ فِي كُلِّ مَجَالٍ نَتَعَلَّمُهُ وَنَعِيشُهُ؟

اللُّغَةُ لَيْسَتْ مَادَّةً نَدْرُسُهَا... بَلْ مَهَارَةٌ نَبْنِي بِهَا حَيَاتَنَا

وَكُلَّمَا أَحْسَنَّا تَعْلِيمَ أَبْنَائِنَا اللُّغَةَ، فَنَحْنُ لَا نَمْنَحُهُمْ قَوَاعِدَ وَمُفْرَدَاتٍ فَقَطْ، بَلْ نَمْنَحُهُمْ أَدَاةً لِفَهْمِ الْعَالَمِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ ذَوَاتِهِمْ وَبِنَاءِ مُسْتَقْبَلِهِمْ.

مَنْصَّةُ الْوَلَاءِ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ